حين تتراجع السياحة… هل يكون ترشيد الطاقة هو الحل؟
بقلم *عمار الصقور
في ظل التحديات الإقليمية المتسارعة وارتفاع كلف الطاقة عالميًا، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية ومرونة في إدارة الموارد، خصوصًا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد مثل الأردن. ومع تراجع الحركة السياحية في فترات الأزمات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن أن يتحول هذا التراجع إلى فرصة لإعادة ضبط الاستهلاك وترشيد الطاقة؟
التجربة المصرية الأخيرة تقدم نموذجًا يستحق التوقف عنده، ليس بوصفه إجراءً ظرفيًا، بل كنهج استباقي في إدارة الأزمة. فقد اتجهت مصر إلى حزمة من السياسات المتكاملة، شملت تقليل استهلاك الوقود الحكومي، وإعادة تنظيم بعض أنماط العمل، إلى جانب التوسع في العمل عن بُعد في عدد من القطاعات. الهدف لم يكن تعطيل الحياة الاقتصادية، بل الحفاظ على استمراريتها بأقل كلفة ممكنة من الطاقة والموارد.
في المقابل، يواجه الأردن واقعًا لا يقل تعقيدًا، سواء من حيث التبعات الاقتصادية أو من حيث هشاشة بعض القطاعات أمام تقلبات الإقليم. ويُعد قطاع السياحة من أكثر القطاعات تأثرًا، حيث تشهد الحركة السياحية تراجعًا ملحوظًا في فترات التوتر، ما ينعكس مباشرة على نسب الإشغال والإيرادات وكلف التشغيل.
هنا يبرز طرح مهم: إذا كانت المنشآت السياحية تعمل اليوم تحت طاقة تشغيلية منخفضة بسبب ضعف الطلب، فلماذا لا يتم استثمار هذه المرحلة في تطبيق سياسات ترشيد ذكية؟ بدلاً من تحمل كلف تشغيل مرتفعة مقابل عوائد محدودة، يمكن إعادة تنظيم ساعات العمل، وتقليل الهدر في الطاقة، واعتماد حلول تشغيل أكثر كفاءة دون الإضرار بجوهر النشاط السياحي.
إن تطبيق نماذج مرنة مشابهة لما جرى في مصر، مع مراعاة خصوصية الواقع الأردني، قد يحقق عدة أهداف في آن واحد. أولها تخفيف العبء عن فاتورة الطاقة الوطنية، وثانيها تعزيز ثقافة الاستهلاك الرشيد لدى المؤسسات والأفراد، وثالثها رفع جاهزية الاقتصاد لمواجهة أي صدمات مستقبلية محتملة.
ولا يعني ذلك استنساخ التجربة بحذافيرها، بل تكييفها بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد الأردني وخصوصية قطاع السياحة، الذي يحتاج دائمًا إلى توازن دقيق بين الاستمرارية والكلفة. ويمكن في هذا الإطار التفكير في حلول عملية مثل تنظيم ساعات العمل في بعض المرافق، وتشجيع العمل المرن في الإدارات غير التشغيلية، وتحفيز استخدام مصادر الطاقة البديلة كلما أمكن.
إن الأزمات، رغم ما تحمله من تحديات، غالبًا ما تفتح الباب أمام إعادة التفكير في السياسات التقليدية. وما بين التراجع السياحي وارتفاع كلف الطاقة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة صياغة نهج أكثر استدامة وكفاءة في إدارة الموارد.
وفي المحصلة، فإن ترشيد الطاقة في فترات التباطؤ الاقتصادي ليس خيارًا ثانويًا، بل قد يكون جزءًا من الحل. والسؤال الذي يبقى مطروحًا: هل نستطيع تحويل التحدي إلى فرصة قبل أن تفرضه علينا الظروف بشكل أكثر قسوة؟
*صحفي مختص بالشأن السياحي