تأثير الفكر التكفيري على الاقتصاد
كتبها محرر الشؤون الاقتصادية
يُعدّ الفكر التكفيري من أخطر الظواهر التي تهدد الدول والمجتمعات، ليس فقط من ناحية الأمن والاستقرار، بل أيضاً من زاوية تأثيره العميق على الاقتصاد الوطني. فالتطرف الفكري الذي يقوم على تكفير الآخر وإلغاء وجوده يقود في النهاية إلى ممارسات إرهابية، وهذه الممارسات تترك آثاراً مباشرة وغير مباشرة على حركة المال والاستثمار والتنمية، مما يجعل الفكر التكفيري تهديداً اقتصادياً لا يقل خطورة عن تهديده الأمني والاجتماعي.
أولاً، يؤثر الفكر التكفيري بشكل مباشر على الاستثمار المحلي والأجنبي. فوجود هذا الفكر في أي مجتمع أو ظهوره في شكل أعمال عنف يجعل المستثمرين يفقدون ثقتهم بالبيئة الاقتصادية. رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار، ومع أي تهديد تكفيري يتردّد المستثمر في الدخول إلى السوق، أو يُعيد حساباته بشأن التوسع في المشاريع القائمة. وهذا يؤدي إلى تباطؤ في النمو، انخفاض فرص العمل، وتراجع في الناتج المحلي الإجمالي.
ثانياً، يتسبب الفكر التكفيري في ارتفاع كلفة الأمن على الحكومات والمؤسسات الخاصة. فالدول التي تواجه تهديدات تكفيرية تُضطر إلى توجيه جزء كبير من ميزانياتها لتعزيز الأمن، زيادة الحواجز الوقائية، تعزيز المراقبة، وتمويل العمليات الأمنية والاستخباراتية. كما تضطر الشركات إلى دفع مبالغ أكبر على الحماية والتأمين، وهو ما ينعكس على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات. هذه الأموال التي تُصرف على الأمن كان يمكن توجيهها لمشاريع تنموية أو خدمية تدعم الاقتصاد وتُحسّن حياة المواطنين.
ثالثاً، يتأثر قطاع السياحة بشكل بالغ بالفكر التكفيري. فالسياحة تعتمد على الاستقرار، وأي تهديد أو هجوم يُنسب لمجموعات تكفيرية يؤدي إلى تراجع أعداد السياح بشكل فوري، وانخفاض كبير في إيرادات الفنادق، المطاعم، شركات الطيران، والأسواق التجارية. كما تتضرر صورة الدولة أمام العالم، وقد تمتد آثار هذا الضرر لسنوات حتى بعد عودة الاستقرار.
رابعاً، يساهم الفكر التكفيري في هجرة الكفاءات ورأس المال البشري. فالعقول والخبرات تسعى دائماً إلى بيئة آمنة ومستقرة تتيح لها العمل والإبداع. وعندما تنتشر الأفكار التكفيرية، يشعر العلماء، المستثمرون، والأطباء ورجال الأعمال بأن حياتهم وفرصهم مهددة، فيُهاجرون إلى دول أكثر أمناً. هذه الهجرة تُعد خسارة اقتصادية ضخمة، لأن هجرة الكفاءات تقلل من إنتاجية الاقتصاد وتضعف قدرته على الابتكار والتنافسية.
خامساً، يؤدي الفكر التكفيري إلى شلّ القطاعات الإنتاجية والخدمية في بعض المناطق التي قد تشهد نزاعات أو مواجهات أمنية. فإغلاق الطرق، تعطّل خطوط النقل، تعطل المصانع، وانخفاض حركة الأسواق كلها آثار حتمية لانعدام الأمن. كما تتقلص حركة التجارة الداخلية والخارجية بسبب الخوف من المخاطر، وارتفاع تكاليف النقل والشحن.
وأخيراً، يساهم الفكر التكفيري في خلق بيئة خوف وقلق داخل المجتمع، وهذا الشعور يؤثر على الإنتاجية العامة للأفراد، ويقلل من روح المبادرة والاستثمار المحلي. فالمواطن في بيئة مهددة بالتطرف يميل إلى الادخار بدلاً من الاستثمار، والانكماش بدلاً من التوسع، وهو ما يضعف الدورة الاقتصادية.