حين يصبح الإعلام السياحي جزءاً من الاقتصاد لا مجرد دعاية
بقلم : اسامه ابو طالب
في عالم اليوم، لم تعد السياحة تُبنى فقط عبر الإعلانات التقليدية أو الحملات الموسمية، بل أصبحت تُصنع من “الصورة الذهنية” التي تتشكل في عقول الناس عبر التجربة، والمحتوى، والانطباع، والشخصيات القادرة على التأثير الحقيقي.
فالسائح الحديث لم يعد يبحث فقط عن فندق أو موقع جميل، بل يبحث عن إحساس بالمكان، وعن تجربة يعيشها قبل أن يزوره، وغالبًا ما تُصنع هذه الرغبة اليوم عبر شاشة هاتف، أو مقطع عفوي، أو شخصية يثق بها الملايين.
ومن هنا، لم يعد الإعلام السياحي ترفًا أو نشاطًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا مباشرًا من الاقتصاد الحديث، وأداة حقيقية لتحريك الأسواق وبناء الصورة الذهنية للدول.
وفي تقديري، فإننا ما زلنا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “الترويج السياحي التقليدي” إلى مفهوم أكثر عمقًا وتأثيرًا يقوم على صناعة محتوى ذكي، حديث، وإنساني، قادر على الوصول إلى الناس بلغتهم واهتماماتهم، لا عبر الرسائل الرسمية الجامدة فقط.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت شخصيات إعلامية ورياضية عربية استطاعت أن تصنع هذا التأثير بعفوية ومصداقية، ومن بينها الإعلامي الرياضي الخليجي خالد جاسم، الذي تحوّل حضوره في الوعي الأردني والعربي إلى نموذج حقيقي لما يمكن أن تصنعه “القوة الناعمة” حين تقترن بالقبول الجماهيري والبساطة والرسالة الصادقة.
فالرجل لم يكن يقدم إعلانًا سياحيًا مباشرًا، لكنه نقل صورة إيجابية عن الأردن والإنسان الأردني من خلال تفاعله الطبيعي، وحديثه الإيجابي، وظهوره الإنساني القريب من الناس.
وهنا تكمن الفكرة الأهم:
التأثير الحقيقي لا يُفرض… بل يُبنى بالمصداقية.
واليوم، ومع اقتراب استحقاقات رياضية وإعلامية عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم، فإن المنطقة بأكملها تدخل مرحلة تنافس حقيقي على جذب الحركة والسياحة والانتباه الإعلامي.
والسؤال هنا:
هل نتحرك بعقلية “الفرصة”… أم بعقلية الانتظار؟
برأيي، هناك فرصة ذهبية يجب استثمارها مبكرًا عبر بناء شراكات حقيقية بين الجهات السياحية والمؤسسات الإعلامية الوطنية والمنصات العربية، لإنتاج محتوى احترافي حديث يربط بين الرياضة والسياحة والثقافة والحياة اليومية.
ولماذا لا نشاهد برامج أو مواسم إعلامية سياحية–رياضية تُصوَّر في الأردن، وتستضيف شخصيات رياضية وإعلامية عربية مؤثرة، تنقل التجربة الأردنية بصورة حقيقية وعصرية؟
ليس مجرد لقاءات بروتوكولية أو زيارات سريعة، بل محتوى احترافي عالي الجودة يُظهر الأردن كما هو:
الإنسان،
والمدينة،
والبحر،
والصحراء،
والثقافة،
والطعام،
والحياة.
فنحن لا نحتاج فقط إلى “التسويق”…
بل إلى صناعة انطباع طويل الأثر.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تطوير القطاع السياحي لا يمكن أن يبقى محصورًا بالفنادق والمواقع فقط، بل يجب أن يشمل المنظومة الكاملة المرتبطة بتجربة الزائر؛ من المطارات والمعابر والموانئ، إلى جودة الخدمات، وسرعة الإجراءات، والبنية التحتية، والإعلام، والمحتوى الرقمي، وحتى طريقة رواية قصة المكان.
لأن المطار اليوم ليس مجرد نقطة وصول،
والمعبر ليس مجرد ختم عبور،
والميناء ليس فقط ساحة شحن.
كل تفصيل أصبح جزءًا من صورة الدولة وقدرتها على المنافسة.
ومن هنا، فإن العمل على تطوير المرافق والخدمات والبنية التحتية خلال فترات التراجع أو الأزمات يُعد خطوة ذكية واستباقية، لأنه يجنّب الزائر والمستخدم التأثيرات السلبية التي ترافق أعمال الإنشاء والصيانة خلال مواسم الذروة.
فالإدارة العميقة لا تنتظر عودة الضغط لتبدأ بالإصلاح، بل تستثمر فترات الهدوء لإعادة التأهيل والتطوير ورفع الجاهزية.
وهنا أيضًا، لا تقع المسؤولية على القطاع العام وحده، فالقطاع الخاص أمام مسؤولية حقيقية لإعادة تقييم مستوى جاهزية منشآته وخدماته، والعمل على التحديث المستمر، لأن المنافسة اليوم لم تعد محلية فقط، بل إقليمية وعالمية.
ومن خلال تجربتنا في مجلس محافظة العقبة، كنا ندرك دائمًا أهمية القطاعات التقليدية كالصحة والتعليم، لكننا كنا نؤمن أيضًا أن التنمية الاقتصادية ليست ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله، لأن الاقتصاد القوي هو الضامن الحقيقي لاستمرار بقية القطاعات ودعمها.
فالاستثمار في تطوير المواقع والمرافق والبنية التحتية، وفي الإعلام الذكي وصناعة المحتوى، ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في الحركة الاقتصادية، وفرص العمل، والإيرادات، وتعزيز الاعتماد على الذات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية وتراجع المساعدات والمنح الخارجية.
وفي النهاية، فإن الدول التي تنجح اليوم ليست فقط تلك التي تمتلك المقومات، بل تلك التي تعرف كيف تروي قصتها، وكيف تُدير صورتها، وكيف تحوّل الإعلام والتجربة والانطباع إلى قوة اقتصادية ناعمة قادرة على جذب الناس والحركة والاستثمار.
لأن المستقبل لن يكون للأماكن الأجمل فقط…
بل للأماكن التي تعرف كيف تصل إلى الناس قبل أن يصلوا إليها.